الشيخ محمد علي الأنصاري
581
الموسوعة الفقهية الميسرة
الحكميّة مع العلم الإجمالي بالحرمة ، ومن الظاهر أنّ هذه الأحاديث لا تشمل أطراف العلم الإجمالي بالحرمة ؛ إذ جعل الترخيص في الطرفين مع العلم بحرمة أحدهما إجمالا ممّا لا يمكن الجمع بينهما . هذا في الشبهة الحكميّة ، أمّا الموضوعيّة ، فالشكّ فيها لا ينفكّ عن العلم بالحرام لا بعينه ، فإنّا إذا شككنا في كون مائع ما خمرا ، كان الحرام معلوما لا بعينه ؛ لأنّا نعلم إجمالا بوجود الخمر في الخارج المحتمل انطباقه على هذا المائع ، فيكون الحرام معلوما لا بعينه ، لكن هذا العلم لا يوجب التنجّز لعدم حصر أطرافه ، وعدم كون جميعها في محلّ الابتلاء ، فما ابتلي به من أطرافه فهو محكوم بالحلّية ما لم يعلم أنّه حرام بعينه « 1 » . ثانيا - أنّ ظاهر قوله عليه السّلام : « كلّ شيء فيه . . . » ، إنّما هو كون الشيء منقسما إليهما فعلا بمعنى وجود القسمين فيه بالفعل ، لا تردّده بين كونه حلالا أو حراما ، وهذا لا يتصوّر في الشبهات الحكميّة ، فإنّ القسمة فيها ليست فعليّة ، وإنّما هي فرضيّة محضة حيث إنّه ليس فيها إلّا احتمال الحلّ أو الحرمة ، كما في شرب التتن المشكوك حلّيته وحرمته « 2 » . الصيغة الثانية - ما وردت في رواية مسعدة بن صدقة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام ، قال : « كلّ شيء هو لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك ، وذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته وهو سرقة ، والمملوك عندك لعلّه حرّ . قد باع نفسه ، أو خدع فبيع قهرا ، أو امرأة تحتك وهي أختك أو رضيعتك ، والأشياء كلّها على هذا حتّى يستبين لك غير ذلك ، أو تقوم به البيّنة » « 1 » . ووجه الاستدلال بها : أنّ الرواية دلّت على حلّية ما لم يعلم حرمته ، وإن كان الجهل بالحرمة مستندا إلى عدم الدليل على الحرمة ، وبهذا التفسير تشمل الرواية الشبهة الحكميّة والموضوعيّة التحريميّة ، وبمعونة عدم الفصل نثبت الإباحة في الشبهات الوجوبيّة أيضا ، وإن أمكن إرجاعها إلى التحريميّة بتقريب أنّ ترك ما احتمل وجوبه ممّا لم يعلم حرمته « 2 » . وأورد على الاستدلال بها : أوّلا - بما مرّ من دلالة كلمة « بعينه » على إرادة الشبهات الموضوعيّة . ثانيا - إن أريد من كلمة « البيّنة » البيّنة المصطلحة ، وهي شهادة عادلين ، فالرواية تختصّ بالشبهات الموضوعيّة ؛ لأنّها التي يمكن رفع الشكّ فيها بالبيّنة بالمعنى المتقدّم . نعم لو أريد منها الأعمّ وهو ما يصلح أن يكون بيانا ، فلا تكون قرينة على إرادة خصوص
--> ( 1 ) انظر مصباح الأصول 2 : 273 - 274 . ( 2 ) انظر : نهاية الأفكار 2 : 233 ، ومصباح الأصول 2 : 276 . 1 الوسائل 17 : 89 ، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به ، الحديث 4 . 2 كفاية الأصول : 341 - 342 .